عبد الشافى محمد عبد اللطيف
169
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
دولة الإسلام بالمدينة . وكانت بداية باهرة ، ففي تلك المدينة الصغيرة قامت الحكومة الإسلامية ، التي أرست دعائم الحق والعدل والمساواة بين البشر جميعا . وبعد أن وضع النبي صلّى اللّه عليه وسلم أسس الإسلام في المدينة المنورة ، استمر يؤدي المهمتين الأساسيتين اللتين اضطلع بهما : الأولى : مهمة تلقي الوحي وتبليغه للناس . والثانية : تطبيق الشريعة وتنفيذ أحكامها ، وقيادة الأمة الإسلامية ورعاية مصالحها ورسم مستقبلها وعلاقاتها الخارجية . ولما التحق النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، كان معنى هذا انتهاء المهمة الأولى . أما المهمة الثانية ، وهي قيادة الأمة الإسلامية ؛ فقد أصبحت شاغرة ، وكان لا بد من شغلها ، ولقد أدرك أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ضرورة أن يختاروا - وعلى وجه السرعة - من يخلف النبي في قيادة الأمة ، في ذلك الظرف العصيب الذي أعقب وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وبدا اهتمامهم بهذه القضية من إعطائهم إياها الأولوية على كل شيء سواها ، حتى على دفن جسد النبي الطاهر - عليه الصلاة والسلام - وكرهوا أن يبيتوا ليلة واحدة بدون إمام « 1 » . وكان هذا يمثل قمة الإحساس بالمسؤولية من جانب الصحابة - رضوان اللّه عليهم - والذي يتابع مناقشاتهم الجادة التي جرت في سقيفة بني ساعدة « 2 » يدرك مدى فهمهم العميق لطبيعة دينهم التنظيمية ، وإخلاصهم النيّة في محاولة اختيار أفضلهم وأرجحهم عقلا لتولي هذا المنصب الخطير ، منصب خلافة النبي في قيادة الأمة الإسلامية ، ويعجب ببعد نظرهم ، وحسمهم للأمور ؛ إذ لم ينته اليوم الأول على وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى كان اللّه قد وفقهم إلى اختيار أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه لتولي منصب الخلافة . فكان خير خلف لخير سلف ، قاد الأمة بتجرد ومهارة فائقة في معالجة مشاكلها الداخلية والخارجية . ثم أسلم الراية لابن الخطاب العظيم ، الذي تابع المسيرة الخالدة . وقفز بالدولة قفزة هائلة في جميع الميادين ، ودلل على القدرة العقلية العربية على القيادة والتنظيم السياسي والإداري ، وأخذت دولة الإسلام تتطور حتى أصبحت أعظم دولة
--> ( 1 ) راجع د . ضياء الدين الريس - الإسلام والخلافة في العصر الحديث ( ص 205 ) وما بعدها ثم انظر آراء الفقهاء في وجوب تنصيب إمام للمسلمين ، يطبق الشريعة ويرعى مصالح الأمة في الأحكام السلطانية للماوردي ( ص 5 ) وما بعدها . ( 2 ) انظر تفاصيل ما جرى في سقيفة بني ساعدة في الطبري ( 3 / 199 ) وما بعدها ، وابن حجر - فتح الباري ( 7 / 30 ) وما بعدها ، وابن الأثير ( 2 / 220 ) .